نموذج الاتصال

المرءُ حينَ يُسْمَعُ ويُقرَأُ


قبل سنوات نسيت جوالي عند أحد أبناء عمومتي وأتيت لآخذه من غدٍ، وبما أن هاتفي ليس به ما أخشى عليه كان مفتوحًا على مصراعيه فسهر ابن عمي ليله كله يقلب مجموعات الواتس أب يتحدث ويضحك ويناقش وهم يتوقعون أن الذي يراسلهم أنا.

أنا وابن عمي المذكور، ولحفظ الخصوصيات جعلت الصورة مغبشة (:

 عندما قال لي ما فعل وهو يسلمني الجوال لم يكن بمقدوري أن أعاتبه -وما الفائدة أصلًا- ولكن شدني أن أعرف كيف تفاعل معه الناس باعتباره أنا وبدأت أقرأ ما كتب.

أسلوبه يختلف كثيرًا عن أسلوبي في التحدث، لكن أحدًا لم يبدِ استنكار، والكل تفاعل معه بشكل عفوي كما لم يتفاعلوا معي أنا ذات يوم، ربما لفشلٍ عندي في التعبير أو كسلًا في التواصل، المهم أنني قررت إذا فتح الله علي وأصبحت سيارتي رولز رايس وأسكن أحد أحياء باريز -كما يكتبها رفاعة الطهطاوي لا باريس كما هو شائع- من الممكن أن آتي حينها برجل يتواصل مع أقاربي ويضحك مع الناس ويهرِّج بدلًا مني ولن يعرف أحد، وأنا أنصرف للكتابة في مستوى أعلى من هذا المستوى، باعتبار الحديث في الرسائل الفورية بمثابة الكلام الشفوي بين الناس وأنا فاشل به وليس من مزاياي.

 

ومن العزاء أنني لست أول من يهوى الكتابة ويفشل بالحديث اليومي، فيقول ابن حجر العسقلاني عن ابن الملقن "وكانت كتابته أكثر من استحضاره، فلما دخل الشام فاتحوه في كثير من مشكلات تصانيفه فلم يكن له بذلك شعور ولا أجاب عن شيء منه، فقالوا في حقه: ناسخ كثير الغلط" (ذيل الدرر الكامنة: 122-123) أي أن ابن الملقن -يرحمه الله تعالى- لو كان من أبناء زماننا لكان من الأصنام في المجموعات ويقترب من الصمت دائمًا.

والإشكالية تكمن في سرعة التصرف في الحديث الشفوي وفي الرسائل الفورية، لأنني إذ أكتب هذه التدوينة لدي الوقت الكافي ولدي المساحة الشاسعة لأكتب وأمسح إن لم يعجبني، وهذا ما أفتقده في الرسائل الفورية وهذا عين ما يجده ابن الملقن في مصنفاته ويفتقده في المحادثات اليومية إذ يقول عنه ابن حجر "لما رأيناه لم يكن في الاستحضار بذاك، فكأنه لما طال عمره استروح وغلبت عليه الكتابة فتوقف ذهنه".

 

وبورخيس الذي لم تبقَ ثقافة على وجه الأرض لم يغص بها، فكتب عن العربية والفرنسية والإنجليزية وإلخ -لنركز على كلمة كتب- ولكن حين تحدث معه رونالد كريست قال عنه "ثمة خمول في تعبيراته وإيماءاته" أي أنه لا يبين الكلام على ما يبدو حتى لتشك أنه هو ذاته الذي كتب قصة بحث ابن رشد، ودعوني أتحدث عنها بقليل من الإسهاب لأنني معجب بتفكير بورخيس إذ أصاب بالعمى في لحظة من اللحظات، فكتب هذه القصة وهو يقول عنها "أردت فـي القصة السابقة أن أروي سيرورة هزيمة" ولكن هزيمة من؟ هزيمة بورخيس ذاته.

أوردت هذه الصورة خصيصًا لأنها تصف هيئة بورخيس أثناء المقابلة المذكورة مع كريست.

 تكلم عبدالفتاح كيليطو أن بورخيس كان يحاول وصف نفسه في القصة، فعندما يتحدث عن أن ابن رشد عُمي عن معنى التراجيديا والكوميديا رغم وجود الكلمات أمامه، فبورخيس أيضًا أعمى فهو لا يستطيع رؤية ما يستطيع رؤيته أي شخص آخر فكتب في التعليق على قصة ابن رشد وسبب اختياره لهذه الشخصية " وفكرتُ، بعد ذلك، بأن الحالة الأكثر شاعرية هي حالة رجل يروم هدفاً غير محظور على الآخرين، ولكنه محظور عليه." أي أنه ثمة ملايين الأشياء التي يستطيعها المبصرون، لكنه هو لوحده لم يستطعها، هو الذي كان يعشق الكتب حتى كان يتخيل الجنة مكتبة كبيرة، عُيَّن مديرًا لمكتبة بيونيس أيريس عندما أصاب بالعمى، فكان يمضي وقته يوميًا برفقة تسعمائة ألف كتاب دون أن يستطيع إبصارها "فكتب أن القدر بسخرية رهيبة وهب له في آن واحد الكتب والليل" وهذا هو عين ما كان عند ابن رشد، فهو يرى الكلمات لكنه لا يستطيع معالجتها، محظور عليه دون غيره، فكتب بورخيس أيضًا "لقد شعرت، وأنا فـي الصفحة الأخيرة، بأن قصتي هي رمز للرجل الذي كنته فـي أثناء كتابتها، وأنه كان عليّ، لكتابة هذه القصة، أن أكون ذلك الرجل، وأنه لكي أكون ذلك الرجل، عليّ أن أملي هذه القصة" (الألف: بحث ابن رشد)

ولكن حين أعود إلى بورخيس في الحديث اليومي أجد أنه "يلجأ إلى العامية ولغة الشارع حينما يشاء" (ذي باريس رفيو: بورخيس 91). وأستمر في مطالعته وهو يتحدث لعلي أجد شيئًا يذكرني ببورخيس الذي أعرف، ولكن يتبدى لي أن هذا المتحدث أقل بكثير من الكاتب الذي قرأت له، يهمهم بطريقة غريبة ويلقي النكات بحركات درامية مستغربة من كاتب مثله، ويعود في النهاية ويلقي أسئلة كأنه طفل حتى يصبح بنظر من حوله مثير للشفقة.

 

ولعل اقتباسًا ينسب لهاروكي موراكامي يصفهم "كان دائما ما يرى في نفسه متحدثا سيئا، وحتى الآن قد لا تسعفه الكلمات عندما يتحدث مع أحد وجها لوجه، وعندما تضعه الظروف وسط مجموعة صغيرة، فإنه يكتفي بالإصغاء وحسب."



إرسال تعليق